ابن كثير
363
البداية والنهاية
قبحه الله وأخزاه ، قال الواقدي : حدثني مصعب بن نائب عن نافع مولى بني أسد - وكان عالما بفتنة ابن الزبير - قال : حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة ( 1 ) سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأول ( 2 ) سنة ثلاث وسبعين ، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة ( 3 ) . وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة ، وكان في الحج ابن عمر ، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كم ثبت ذلك في الصحيحين ، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة ، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك وكان مع الحجاج الحبشة ، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا ، وكان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان ، وحبس عنهم الميرة ، والماء ، فكانوا يشربون من ماء زمزم ، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة ، والحجاج يصيح بأصحابه : يا أهل الشام الله الله في الطاعة ، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة ، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة ، ثم يكرون عليه فيشد عليهم ، فعل ذلك مرارا ، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول : هذا وأنا ابن الحواري . وقيل لابن الزبير ألا تكلمهم في الصلح ! ! فقال : والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا . وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق ، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة ، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول : إني خبير بهذه البلاد ، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها ، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم ، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا ، فجعل الحجاج يقول : ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة ، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون : مثل الفنيق المزبد * نرمي بها أعواد هذا المسجد ( 4 )
--> ( 1 ) في الطبري 7 / 202 وأسد الغابة 3 / 163 . وفي الإمامة والسياسة 2 / 30 ومروج الذهب 3 / 135 : ذي القعدة . ( 2 ) في الاخبار الطوال ص 314 وابن الأثير 4 / 356 : جمادى الآخرة ، وفي مروج الذهب لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وذلك يوم الثلاثاء . وفي فتوح ابن الأعثم 6 / 279 : يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 135 : كانت مدة حصار الحجاج لابن الزبير بمكة خمسين ليلة . ( 4 ) في الاخبار الطوال : خطارة مثل الفنيق الملبد * نرمي بها عواذ أهل المسجد وفي ابن الأثير 4 / 351 : وكان أهل الشام يقولون : يا بن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا لتجزين بالذي أتيكا وفيه ص 124 : أن أهل الشام جعلوا يرتجزون ويقولون : وذكر الشعر كما في الأصل ، وكان ذلك في حصار الكعبة سنة أربع وستين في حصار حصين بن نمير أيام يزيد بن معاوية .